دلالات و سياسات المشاركة السياسية للشباب

Typography

 

دلالات وسياقات المشاركة السياسية للشباب فى إطار إستراتيجية التنمية المستدامة  "مصر 2030"

إيمان زهران

 

ثمة "حراك إجتماعى – سياسي"، شهدته المنطقة العربية منذ عام 2010 وحتى يومنا هذا، ساهم فى ترسيمة "العنصر الشبابى" ليُعيد إنتاج نمط "المشاركة السياسية للشباب". وذلك فى ظل الممارسات السابقة، والتى بها  كثيرا ما يُستبعد  الشباب من كافة مراحل العملية السياسية، وعادة ما يُنظر إلى السياسة كمساحة للرجال ذوي الخبرة السياسية.

 كما انه فى الوقت الذى غالبا ما تكون فيه المرأة - العربية عامة والمصرية بصفة خاصة- محرومة من فرص تلقي الخبرة في العمل والممارسة السياسية، فإن الشباب يتعرضون للتهميش المنهجي و ذلك بسبب صغر سنهم والفرص المحدودة وقلة الخبرة

وتأكيدا على أهمية الشباب ومشاركتهم، فقد وضع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أول استراتيجية للشباب على الإطلاق (2014-2017) تحت عنوان "شباب ممكن- مستقبل مستدام"، وذلك تمشيا مع خطة العمل على نطاق منظومة الأمم المتحدة بشأن الشباب التي تدعو الأجيال الشابة إلى أن تساهم و تلتزم أكثر في عمليات التنمية وتحسين مشاركتهم السياسية.

وإنطلاقا من تلك الفرضية، دشنت جمهورية مصر العربية مسارا سياسيا إتخذ من "المشاركة الشبابية" إنطلاقة وطنية نحو العالمية، وذلك بهيكلة مسارات مؤسسية لقضية تمكين الشباب والخروج بها إلى نطاقات أوسع، تتجاوز مجرد الطرح النظري إلى واقع عملي ملموس، بدءًا من بيان الثالث من يوليو 2013 الذي أكد على أهمية "التمكين"، إلى تطوير مسارات متعددة للتأهيل والإعداد الجيد، من خلال البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة كفكرة مبتكرة بادرت بها مؤسسة الرئاسة وأفرزت نتائجها الملموسة في مؤسسات الدولة المختلفة بضخ دماء جديدة مؤهلة، مرورًا بالمؤتمرات الشبابية المحلية في مدن ومحافظات مصر المختلفة باعتبارها منصات مباشرة للتواصل الفعال بين القيادة والمسئول من جانب، والشباب من جانب آخر، وصولًا إلى إعلان السيد رئيس الجمهورية عن إنشاء الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب كجهة مسئولة عن صناعة النخبة الجديدة من القيادات الشبابية الواعدة وتأهيلهم للعمل السياسى.

 

سياقات داعمة : 

مما لا شك فيه ان النظام السياسى ككل يعلب دورا محوريا فى درجة مشاركة الشباب فى الحياة السياسية، ليؤسس بذلك لنحو عدد من السياقات الداعمة لمثل تلك المشاركة، والتى فى مقدمتها: 

  • سياقات تشريعية: تمثلت ذلك  فى حزمة التحركات التشرعية والتى أولت للشباب أهمية قصوى بالحياة السسياسية خاصة فيما بعد 30 يونيو ، بداية من إصدار تعديلات على قانون مجلس الشعب وخفض سن الترشح للبرلمان إلى 25 عاماً بدلا من 30 عاماً، وهى من ضمن الخطوات التى تسهم فى إتجاة التمكين نحو المشاركة. 

كذلك، فى دستور 2014، حيث نص فى مادتة 181 ، فى باب الإدارة المحلية: " ان تنتخب كل وحدة محلية مجلسا للإقتراع لعام السرى المباشر. لمدة أربع سنوات ، ويشترط فى المترشح ألا يقل سنه عن إحدى وعشرين سنه ميلادية. كما أن القانون ينظم كذلك عملية الترشح ومراحلها، ومنها : "أن يخصص ربع عدد المقاعد للشباب دون سن خمس وثلاثين سنه". وكذلك خفض سن الترشح فى الانتخابات السياسية بكل أشكالها. وتمثيل الشباب فى مجالس إدارات المراكز الشبابية والاندية الرياضية. كذلك فى قانون إنتخابات مجلس النواب عام 2015،  فقد إشترط على القوائم الانتخابية تخصيص عدد من المقاعد للشباب.

  • سياقات سياسية : وتم ذلك على عدد من المحاور المؤسساتية والتى إنطوت عليها هيكلة "المضمون الشبابى" للإطرر السياسية والإجتماعية والإقتصادية لإستراتيجية التنمية المستدامة "رؤية مصر 2030" ،حيث تمثل أولها فى : دعم الدولة للارادة السياسية الحقيقية للشباب ، والثانى: الاشتراك الفعلى للشباب فى الفعل السياسى واتخاذ القرار وهو ما ظهر فى تجربة " معاونى الوزراء"، والثالث: تمثل فى تقوية العلاقة بين الحكومة والشباب وايجاد جسور من التفاهم والتواصل بينهما، وهو ما تم تطبيقة عمليا بمؤتمرات الشباب الوطنية والمقامة دوريا فى عهد الرئيس السيسى.

وعلى الرغم من ترسيم دعائم تلك السياقات التشريعية والسياسية ، إلا أنة لازال هناك عدد من التحديات التى تعوق جدية  المشاركة السياسية للشباب، ولعل أهمها ما تمثل فى :

  • تحديات عامة : تتمثل فى تخوف إستمرارية تركيز عملية اتخاذ القرار فى يد النخبة الحاكمة، وكذلك ضعف مؤسسات المشاركة السياسية كالمجالس النيابية وهشاشة الاحزاب السياسية فى ظل ضعف مهارات القيادة الحزبية فى الاتصال بالشباب واقناعهم بالانضمام الى الاحزاب السياسية، دون إغفال مشكلات الأمية والبطالة والفقر .
  • تحديات خاصة : تتمثل فى غياب عملية التنشئة السياسية، وتعدد قضايا الفساد، بالإضافة إلى أن لازال هناك تنامياً للتوجة الفردى فى الاداء وفى عملية اتخاذ القرار.

رسائل مصرية  : 

مثلت المشاركة الشبابية بالحياة السياسية المصرية نقلة نوعية بداية من 25 يناير، و30 يونيو ، وكذلك المساهمة فى العملية البرلمانية والحصول على عدد مقاعد مقبول بمجلس النواب الحالى، فضلا عن الإنتشار الممنهج بكافة مؤسسات الدولة، وصولا للمشاركة بالتصويت بالإنتخابات الرئاسية المصرية 2018 ، وتسجيل كثافة تصويتية سواء بالخارج أو بالمؤشرات الأولية للإقتراع بالداخل.

 لذا فقد جاءت المشاركة السياسية للشباب على إختلاف توجهه ، تتويجا لجهود الدولة بالفترات السابقة نحو دعم التحركات المجتمعية والمؤسساتية لتمكين الشباب من المشاركة بالحياه السياسية، لتؤكد بمختلف "مخرجاتها" على رسائل للداخل والخارج الإقليمى والدولى، وذلك فى ضوء ترسيم إسترتيجية التنمية المستدامة "رؤية مصر 2030"، حيث مفاداها: 

  • التأكيد على وضوح رؤية الدولة المصرية إزاء التعامل مع قضايا الشباب. وأن هذه الرؤية ليست رؤية موسمية، بقدر ما مثلتة من رؤية استراتيجية طويلة الأمد، مفادها أن المستقبل يصنعه أصحابه، وأن التهميش والإقصاء لفئة الشباب من الجنسين ليس من توجهات "مصر فيما بعد 30 يونيو".
  • أن تنامى المشاركة السياسية للشباب المصرى فيما بعد 25 يناير و30 يونيو ، جاءت تجسيدًا مباشرًا لقيمة المواطنة، والديمقراطية التشاركية، والحوار البناء.
  • الإستمرار بدفع الشباب نحو الممارسة السياسية ، إنما هو تأكيدا على إصرار السيد الرئيس على سد فجوة عدم الثقة التي طالت لسنوات "الدولة والشباب"، خاصة مع حرمان تلك الفئة من حقها في التواجد والبناء، ودلالته على ذلك بإعلان سيادته عام 2016 عاما للشباب ، ليكون مشمولا بحزمة من القرارات والتكليفات لتفعيل دور الشباب فى منظومة العمل الوطنى وتمكينهم فى جميع المجالات.

تأسيسا على ما سبق، فقد لعب الشباب أدوارا متميزة فى العديد من المواقف الفارقة فى تاريخ الدولى المصرية، تكللت تحركاتهم فيما بعد 30 يونيو بتقنين العديد من الإجراءات المؤسساتية الداعمة لحركة المشاركة والتمكين السياسى للشباب. وذلك بالتوازى مع الإدراك التام من جانب الشباب بالعلاقة التشاركية ما بينهم وبين الدولة ، فذلك الإدراك هو بمثابة العامل الرئيسى لنجاح التميكن.

ولضمان إستمرار تنامى المشاركة الفعالة للشباب بمختلف مجالات الحياة السياسية، فلابد من ضمان  توافر عدد من المقومات، أهمها: 

  • قاعدة بيانات (مُحدثة دوريا) للشباب ، تتضمن تعدادهم، وتوزيعهم على الفئات العمرية، وتوزيعاتهم الجغرافية، ومستوياتهم التعليمية، وتوزيعهم من جيث الجنس، فضلا عن بيان الحالة الإجتماعية والوضع الإقتصادى والإنتماء العقائدى.
  • تنمية وعى الشباب بقضايا مجتمعة ، ولعل فى تجربة منتديات الشباب الوطنية، ومحكى الشباب، وغيرهم من برامج ثقيفية للشباب من شأنها أن تضع بين أيديهم كافة القضايا والمستجدات التى تفرض نفسها على المجتمع فى لغة سهلة وبسيطة بعيدة عن الغموض والتجريد.
  • الدفع بالتطبيق المستمر للسياسات القومية لتفعيل المشاركة الشبابية، وذلك بالأخذ فى الإعتبار عدد من الإستراتيجيات، منها: التأكيد على التوسع ببرامج التعليم المدنى وإعداد القيادات الشبابية وفى مقدمتها "الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب".
  • الدعوة لإعادة ترتيب صفوف القيادة الداخلية بالأحزاب، لإتاحة الفرصة للشباب لتولى المواقع القيادية بداخلها.
  • تطوير لائحة "الإتحادات الطلابية" للجامعات بما يتلاءم والمستجدات السياسية فيما بعد 30 يونيو، لتتيج بدرجة أكبر الفرصة للطلاب للمشاركة فى إدارة أمورهم بإستقلالية تامة.

ومن ثم، تبقى إنعكاسات مشاركة الشباب بالحياة السياسية بمختلف أنماطها وأوجهها المتعددة، إنما يؤشر فى مضمونة على حالة النضج السياسي بإعلاء مبادئ المواطنة والتشاركية السياسية نحو إستكمال مراحل التحول الديموقراطى والتنمية المستدامة التى تنشدها رؤية مصر 2030.

BLOG COMMENTS POWERED BY DISQUS