السياسات الأمنية الموازنة التكاملية بين امن الدولة وامن الإنسان

Typography

الدكتور عادل عامر

 

اول: -المدخل: -

 أن حقوق الإنسان والحريات الأساسية أضحت من أهم الموضوعات الرئيسية، على كافة الأصعدة الدولية والإقليمية والوطنية، لان تنامي الوعي لدى الشعوب بالقيم الأصيلة لحقوق الإنسان، وإدراك دورها في فرض احترام الكرامة البشرية، وحمايتها من أي اعتداء أو ممارسات مشينة، علاوة على تنامي قناعة الشعوب بكون القيود على الحريات الفردية والجماعية، والتضييق على الطاقات الفكرية، والقدرات الإبداعية للإنسان، والانتهاكات التي تمسّ حقوقه الطبيعية، وتخدش كرامته الإنسانية، تشكّل العرقلة الأساسية نحو تحقيق النمو الاقتصادي، والتقدم الاجتماعي، والتطور الحضاري.

إن الدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته، والعمل جدياً على تعزيزها وحمايتها لهو من أجلّ وأنبل الأهداف، يتطلب سياسات امنية متوازنة وتكاملية تحقق الهدف من امن الدولة وامن الانسان ولقد أصبح مفهوم الأمن الإنساني إطارا موسعا للأمن الوطني (امن الدولة + امن المجتمع + امن الإنسان) إذ أصبح هذا الأخير يحتوي بالإضافة لحماية الحدود والوحدة الترابية وسيادة الدولة ومصالحها الوطنية والحيوية على أبعاد وظيفية أخرى مرتبطة: بحماية حقوق الإنسان وحرياتهم وترقيتهم بشكل يمكن ضمان كينونتهم وكرامتهم ومستقبل الأجيال القادمة.       ولقد أصبح هذا المفهوم موسعا بتهديدات أكثر أخلاقية –إنسانية – حياتية إلى انه أصبح من واجب صانعي السياسات الأمنية الموازنة التكاملية بين امن الدولة وامن الإنسان. وذلك على الرغم من صعوبة التحقيق العملي لمثل هذا التصور لميوعة المفهوم وضبابية الحدود بين ما هو دولتي وما هو إنساني.

لذلك تأتي السياسيات الأمنية المتوازنة بتأسيس قواعد ومرتكزات الدولة المستقلة وتوفير الامن والامان وتعزيز صمود المواطن، وتشكيل رافعة للأبعاد السياسية. لتحقيق التوازن بين امن الدولة وامن الانسان بما يحقق مفهوم الامن الشامل للوطن والانسان.

تأتي الخطة الاستراتيجية لقطاع الامن لتمكيننا من مواصلة البناء على الانجازات التي حققتها المؤسسة الامنية في مجال فرض النظام وتوفير السلامة العامة وتكريس سيادة القانون. اضافة الى البناء على الانجازات التي تحققت في مجال تمكين وتعزيز قدرات المؤسسة الأمنية والمضي قدما بتمكينها وتطوير قدراتها وسلوكياتها وتجهيزها وخلق المناخات الكفيلة بتهيئة ظروف تطبيق خطة التطوير والتنظيم للمؤسسة الأمنية بصورة تدريجية تراكمية.

ان من الاهمية صياغة مفاهيم وممارسات سلوكية منبثقة من النظم القانونية وتطوير البيئة القانونية الناظمة للمؤسسة الأمنية وخاصة على صعيد اللوائح الداخلية تحتل موقعا مهما في قلب هذه الخطة، اضافة الى مضاعفة اليات الشراكة والتنسيق التي تخدم المصالح الوطنية للشعب وتكرس هوية وخصوصية ودور المؤسسة الأمنية والتزامها بمعايير المؤسسات الأمنية للدولة الديمقراطية. تبقى الاشارة الى اهمية اعتماد سياسات إعلامية تحقق الهدف الوطني وتتلاقى مع مؤسسات المجتمع المدني والدولي تأخذ البعد الديمقراطي وحقوق الإنسان والجوانب السلوكية لرجل الأمن.

 مما لا شك فيه أن التفاعل الاجتماعي المتبادل بين أنساق المجتمع المختلفة والأجهزة الأمنية يمثل تكاملاً ضرورياً لإحداث الأمن والاستقرار في المجتمع، حيث يرتبط الأمن ارتباطا وثيقاً بمؤسسات المجتمع المختلفة لما لهـذه المؤسسات من دور في بناء واستقرار المجتمع. وتلعب المؤسسات الاجتماعية أدواراً تكاملية مع المؤسسات الأمنية لإحداث الاستقرار في المجتمع. ففي الوقت الذي تنطلق الجهود الأمنية نحو مكافحة السلوك الإجرامي في المجتمع فإن المؤسسات الاجتماعية تنطلق من محور تقزيم الإرادة الإجرامية لدى الأفراد لممارسة السلوك الإجرامي مما يجعلهم غير راغبين في ممارسته.

ثانيا: -مفهوم الأمن الإنساني

يركز مفهوم الأمن الإنساني على الإنسان الفرد وليس الدولة كوحدة التحليل الأساسية؛ فأي سياسة أمنية يجب أن يكون الهدف الأساسي منها هو تحقيق أمن الفرد بجانب أمن الدولة؛ إذ قد تكون الدولة آمنة في وقت يتناقص فيه أمن مواطنيها. بل إنه في بعض الأحيان تكون الدولة مصدرًا من مصادر تهديد أمن مواطنيها. ومن ثم يجب عدم الفصل بينهما.

برز مفهوم الأمن الإنساني في النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن العشرين كنتاج لمجموعة التحولات التي شهدتها فترة ما بعد الحرب الباردة فيما يتعلق بطبيعة مفهوم الأمن، ونطاق دراسات الأمن.

 تعد المعضلة الأمنية أحد الظواهر السياسية التي تخضع لقانون التغير والتفاعل المتبادل مع غيرها من الظواهر. ورغم كثرة الدراسات التي عالجت الظاهرة، لا يزال مفهوم الأمن يثير اهتمام الباحثين في المسائل الأمنية، ولا يزال الخلاف مستمراً بشأن المرجعية ووحدة التحليل التي تنطلق منها المقاربات الأمنية، على الرغم من الإجماع حول أهمية وضرروه الاهتمام بالمسألة الأمنية بشكل عام.

وتحديداً فإنه حينما نبحث في المعضلة الأمنية نجد أنّ هناك أربعة إشكاليات؛ أولها طبيعة اللاأمن التي يمكن أن نعرف من خلالها مصدر التهديد وبالتالي العمل على احتواءه، وثانيها المرجعية المعتمدة للتحليل (هل هي الدولة أم الفرد أم المجتمع)، وثالثها مسؤولية ضمان الأمن والمقصود بها الجهة المسئولة عن السياسات الأمنية، ورابعها وسائل ضمان الأمن وهي الآليات التي توضع لاحتواء التهديد. وتبعا لهذه الإشكاليات فإنّ النقاشات النظرية في العلاقات الدولية منذ الثمانينات تركزت في ثلاث مداخل أو مقاربات فكرية؛ المقاربة الأولى وهي المقاربة التقليدية للأمن، والمقاربة الثانية – كانت توسيع للمقاربة لأولى – وهي مقاربة التوسيع في مفهوم الأمن، والمقاربة الأخيرة وهي مقاربة التيار النقدي.

فالمقاربة الأولى اهتمت بالمفهوم التقليدي للأمن، وانحصرت أفكارها في تيار المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، وحصرت هذه المقاربة تفسير مفهوم الأمن في الأمن القومي والقوة العسكرية، أي بمعني أنّها فسرت الأمن على أنه مسألة تخص الدولة وأمنها القومي. أما المقاربة الهادفة للتوسيع في مفهوم الأمن فظهرت في فترة من الثمانينات والتسعينات من خلال أطروحات المدرسة الواقعية الجديدة،

 بهدف إعادة النظر في حصر الأمن في الإطار العسكري، وأكدت على ضرورة توسيعه وتعميقه، وما ميزها أنها قامت بتوسيع قائمة التهديدات إلى اﻟﻤﺠالات غير العسكرية للدولة من وحدات غير الدولة، إلا أن تفسيرها للأمن ظل – على غرار المقاربة التقليدية – في الدولة وأمنها القومي الموسع. وفي المقابل فإن مقاربة النظرية النقدية طورت مفهوم الأمن، واقترحت أن يكون موضوع الأمن في الفرد والجماعة وليس الدولة، مشكلة بذلك قطيعة تصورية مع المفهوم الواقعي للأمن، وبالتالي حدث تحول هام في المفهوم، إذ أصبح الأمن يفسر بأنه ليس ذلك الخطر المباشر للدولة بل ما يشكله من إعاقة لتحرير الفرد، والجماعة، والدولة.

إذ أثبتت خبرة الحرب الباردة أن المنظور السائد للأمن -وهو المنظور الواقعي-لم يعد كافيًا للتعامل مع طبيعة القضايا الأمنية ومصادر التهديد فترة ما بعد الحرب الباردة، والحاجة لتوسيع منظور الأمن ليعكس طبيعة مصادر التهديد فترة ما بعد الحرب الباردة. وكان مفهوم الأمن لدى أنصار الاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية يقتصر على حدود أمن الدولة القومية باعتبارها الفاعل الرئيس (إن لم يكن الوحيد) في العلاقات الدولية،

وذلك ضد أي تهديد عسكري خارجي يهددها، أو يهدد تكاملها الإقليمي، أو سيادتها، أو استقرار نظامها السياسي، أو يمس إحدى مصالحها القومية. وفي سبيل حماية تلك المصالح فإن استخدام القوة العسكرية يُعد أداة أساسية لتحقيق الأمن، وتتحول العلاقة بالآخرين لمباراة صفرية لا بد فيها من مهزوم ومنتصر، والتعاون الدولي الطويل الأجل محض وهْم لا يمكن تحقيقه.              وعلى الرغم من أن مكونات الأمن الإنساني ومصادر تهديده موجودة تاريخيًا فإن بروز المفهوم مؤخرًا ارتبط بعملية العولمة والتي جعلت مصائرنا مشتركة؛ وذلك نظرًا لما تقوم عليه عملية العولمة من فتح للحدود بين الدول لانتقال السلع والخدمات والتحرير الاقتصادي العالمي.

يرتكز مفهوم الأمن الإنساني بالأساس على صون الكرامة البشرية وكرامة الإنسان، وكذلك تلبية احتياجاته المعنوية بجانب احتياجاته المادية، والاقتراب الرئيسي هنا هو أن الأمن يمكن تحقيقه من خلال اتباع سياسات تنموية رشيدة، وأن التهديد العسكري ليس الخطر الوحيد، لكن يمكن أن يأخذ التهديد شكل الحرمان الاقتصادي، وانتقاص المساواة المقبولة في الحياة، وعدم وجود ضمانات كافية لحقوق الإنسان الأساسية. فتحقيق الأمن الإنساني يتطلب تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، وصون حقوق الإنسان وحرياته، والحكم الرشيد، والمساواة الاجتماعية، وسيادة القانون.

ثالثا: -الأمن الإنساني: والمصلحة العليا للدولة

التعريف الحدي للأمن الإنساني هو امن الإنسان من الخوف (من القهر والعنف والتهميش) والحاجة (الحرمان ...وعدم التمكين الاجتماعي)، أي محاولة خلق ديناميكية تدمج الإنسان في الأولويات التنموية والسياسية بدل من التركيز على استقرار النظام السياسي وبيئته.

شكل الأمن ولا يزال محور تفكير الإنسان سواء كان فردا أم جماعة، إذ يعتبر الأمن الأولوية الأولى والمصلحة العليا للدولة، فلا يستقيم نظام ولا يقوم اقتصاد دون ترسيخ وتوطيد دعائم الأمن والاستقرار، وقد ترك التطور التاريخي وتركب وتعقد الحياة الإنسانية بصمات كبيرة وعديدة على مفهوم الأمن والذي أصبح بدوره أيضا مركبا ومعقدا كما أصبح مرآة عاكسة للتطور المفاهيمي والفكري، والتغير المتسارع الذي تشهده الإنسانية عبر مراحلها التاريخية وخصوصا مرحلة ما بعد الحرب الباردة،   

تُستخدم المصلحة القومية كأداة تحليلية لوصف وشرح وتقويم مصادر السياسة الخارجية للدولة، ومدى كفاءتها. ويتم توظيف المصلحة القومية كأداة للعمل السياسي في تبرير أو استنكار أو اقتراح سياسة ما. وغالباً ما يتم الربط بين المصلحة القومية والقوة، والنظر إلى المصلحة القومية على أنها هي التي تقرر السياسة الخارجية، وذلك أن تلك السياسة يتم رسمها بهدف تعزيز المصالح القومية وليس فقط مصالح كل فرد على حدة.

إن المصلحة القومية، وفقاً لما سبق، هي الأوضاع التي ترى الدولة في وجودها واستمرارها ما يحقق أهدافها، وهي تتضمن الحفاظ على قيم الدولة وصيانة استقلالها وكيانها وحرياتها في علاقاتها الخارجية ودعم هيمنتها الاقتصادية. وغالباً ما تستخدم الدولة هذا المفهوم في محاولتها للتأثير على البيئة الدولية لصالحها.

   كما أن هناك من يرفض قبول مفهوم المصلحة القومية كأداة تحليلية في مجال السياسة الخارجية على أساس ضخامة المفهوم وافتقاره إلى التحديد الكلي والتصنيف الجزئي لمكوناته، بالإضافة إلى غياب الوسائل الإجرائية لتجسيد المفهوم بعد تحديده. كما أن ارتباط المفهوم بالقيم يجعله كياناً أضخم من مكوناته.

وإذا انتقلنا إلى التعرف على العلاقة بين الأمن القومي والمصلحة القومية، فسنجد أن هناك اتجاهاً يستخدم كلا المفهومين كمرادف للآخر. وهناك اتجاه آخر يرى وجود علاقة تأثير متبادل بين المفهومين، فنظرية الأمن القومي لدولة ما تعكس مصلحتها القومية، وكذلك فإن تحديد المصلحة القومية للدولة ينطلق من مفهوم واضح لأمنها وما يمكن أن يشكل خطراً أو تهديداً للأمن القومي

رابعا: -السياسات الأمنية وامن الدولة

عندما تشعر الدولة بالتهديد، وعدم الأمن، أو الإحساس بضعف في أبعاد الأمن الوطني، تتدافع الأجهزة المعنية بالأمن الوطني لتعبئة قدراتها بما يمكِّنها من درء التهديد، وإعادة الأمان، أو لتجديد الأبعاد التي طالها الكبر، أو تقوية تلك التي ضعفت. والمفترض أن وسائل تعبئة القدرات معروفة مسّبقاً، ومحدد دورها، وحدود تعبئتها لكل حاله، في إطار خطط أمنية، قد تكون وسائل تعبئة القدرات وليدة الساعة أحياناً، وهو ما يحدث عندما يكون مصدر التهديد خارجياً في الغالب. ويغلب على تلك الوسائل صورة التعاون، بين الدولة ودول أخرى، لمواجهة مصدر التهديد، الذي قد يكون مشتركاً، أو يهدد مصلحة الدولة الأخرى بطريق غير مباشر.

هذه السياسيات، أصبحت تشمل العديد من الجوانب، ولم تعد قاصرة على الجانب العسكري فقط كما كانت سابقاً، وإن ظل الجانب العسكري هو الشكل الأكثر فاعلية لدرء التهديد. كما أدى التشابك بين أوجه التهديد، إلى تشعب الاتفاقات والترتيبات، إلى مجالات شتى، غالباً يكون الجانب العسكري مكملاً لها. وتحدد الاتفاقات والترتيبات، دور كل جهاز (أو دولة) في السياسة الأمنية، وحدوده.

وقد أفرزت السياسات الأمنية الحديثة، شكلاً مدمجاً للمجالات المتعددة، في شكل لجان (مجالس) سياسية وعسكرية واقتصادية وإعلامية، يمكنها من خلال التعددية في التخصص، إدارة صراع قوي وناجح ضد مصادر التهديد، التي تنوعت وتعددت أيضاً أشكال تهديداتها، كما تدار حملة إعلامية، ونشاط عسكري ضده من آن لآخر، لإضعافه، وحمله على الإذعان لمطالب تلك القوى المتحالفة، وهو الهدف من السياسات الأمنية، بردعة عن العدوان مستقبلاً. 

  ومستقبل السلام الآمن، في وجود قدرات الحماية وليس من دونها. فقد سقطت الإمبراطوريات عندما غفلت عن مصادر قوتها، فهاجمتها مصادر تهديدها وأوردتها الهلاك. كانت الإمبراطوريات تدمج معها الولايات والأمصار المفتوحة لتزيدها قوة، واليوم القوة في التجمع وليس في التشرذم، في العمل الجماعي وليس في العمل الفردي، فالأمن الجماعي يجب أن يعلو الأمن الذاتي، لتتأكد صيانة الكيان، وحماية البقاء.

المقصود بالاستراتيجية أساساً فن القيادة، وهي مفهوم عسكري أساساً تطور وأصبحت له مضامين سياسية واجتماعية، فصارت الاستراتيجية هي تلك العملية التي يتم فيها الصهر الكامل لكل مصادر القوة في الجسد السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة من أجل تحقيق المصلحة القومية العليا، والأهداف المطلوب إنجازها في إطار فلسفة الأمن القومي. يصعب تحديد كيفية تشكيل الاستراتيجية القومية وتنفيذها.

وتنبع المصالح القومية من التفاعل بين القيم والبيئتين المحلية والدولية. ونظرياً يجب أن تُقدم هذه المصالح القومية الأهداف لاستراتيجية قومية. وفي الممارسة هناك صعوبتان مهمتان تتسببان في إعاقة تشكيل مثل هذه السياسة:

الأولى: تتمثل في أن العناصر التي تؤثر على البيئة قد تكون غير مؤكدة أو غامضة. وعلى سبيل المثال فإن طبيعة ودرجة التهديدات للقيم الواضحة قد لا تكون واضحة أو قد يتم إدراكها بشكل مختلف.

الثانية: لا يوجد ميكانيزم يمكن من خلاله وضع استراتيجية للأمن القومي تنبع من المصالح القومية. وكنتيجة لذلك فبدلاً من أن تكون هناك خطة متكاملة تخدم لتحقيق المصالح القومية وتقود تشكيل سياسة الأمن القومي، فإن الاستراتيجية تميل إلى أن يتم تشكيلها من خلال المفاهيم والمعتقدات لصانعي القرار كل على حدة، والهياكل والعمليات لصنع قرار الأمن القومي. وتشكل هذه الهياكل والعمليات نظام الأمن القومي.  

ويتطلب تنفيذ الاستراتيجية القومية استخدام الإمكانات القومية المتاحة تحت جميع الظروف من أجل إنتاج أقصى سيطرة ممكنة على العدو عن طريق التهديدات بهدف تحقيق مصالح الأمن القومي للدولة، فهي منظومة الأساليب والوسائل العلمية والعملية القائمة على الاستخدام الأمثل للقوى والمصادر القومية من أجل تحقيق أهداف الأمن القومي، أو أنها مجموعة الخطط والمبادئ التي تحدد الأهداف القومية للدولة في جميع المجالات في نطاق التعاون الدولي وإدارة تلك الخطط والمبادئ لتحقيق أهدافها القومية في حدود القوة المتاحة، وفي إطار المبادئ والقواعد التي تحدد طبيعة النظام الدولي المعاصر.

ولا شك أن زيادة القوة القومية للدولة (عناصر ومكونات القوة القومية مادياً ومعنوياً) تؤدي إلى زيادة الشعور بالأمن القومي والعكس بالعكس. وهنا نجد اختلافاً في وجهات النظر حول طبيعة العلاقات بين الدول، حيث يوجد رأي يذهب إلى أن الصراع هو النمط الرئيسي والوحيد للعلاقات بين الدول، ولابد أن تقوم سياسات واستراتيجيات الأمن القومي على افتراض مؤداه أن الأمة لا تكون آمنة إلا عندما تزيد من قوتها الذاتية إلى أقصى حد مقارنة بالدول الأخرى.

وهناك رأي آخر يرى أن التكامل والتعاون هو أساس العلاقات بين الدول ولابد من إنقاص قوة الدولة لكي يزداد شعور الدول الأخرى بالأمن. وتنتهي مصادر التهديد فيزداد التعاون والتكامل والاعتماد المتبادل فيما بينها فينشأ مفهوم الأمن القومي الجماعي فيما بين هذه الدول فيحقق في إطاره الأمن القومي الخاص بكل دولة.

وهكذا تتحدد علاقة الأمن القومي بالاستراتيجية القومية في أن مفهوم الاستراتيجية القومية يشير إلى تعبئة وتوحيد موارد المجتمع ويتضمن في ثناياه عدداً من الاستراتيجيات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تسعى كل منها وفي مجالها إلى تحقيق الأهداف القومية، وهذه الاستراتيجيات رغم تخصصها إلا أنها تترابط فيما بينها بحكم أنها تسعى لتحقيق الأهداف ذاتها ولكن في مجالات مختلفة.

 وبالتالي فإن الاستراتيجية القومية تجسد مفهوم الأمن القومي بما يتضمنه من خطط ومبادئ تعكس مكوناته. من ناحية ثانية، تُعانى كافة الدول تقريباً من عدم الارتباط بين الأبنية والمؤسسات الاقتصادية والسياسية ومؤسسات الحماية الاجتماعية، فالقرارات الاقتصادية والسياسية تتخذ دون دراسة كافية لنتائجها الاجتماعية والإنسانية مما يزيد قضايا الأمن الإنساني تعقيداً.

خامسا: -امن الدولة وامن الإنسان

ورغم كل الأسس التي يبني عليها المدافعون لتقنين حق التدخل الإنساني إلا أن هذا لا يقضي بجواز هذا الحق، نظرا للتأكيد الدائم للأمم المتحدة على مبدأ السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. لأن القول بإمكانية التدخل لأهداف إنسانية يعني ضرب عرض الحائط مبدأ المساواة والسيادة بين الدول، واستعمالها كذريعة لأهداف سياسية.

 ومن هنا نجد أن الباحثة تؤكد على أن أنصار التدخل الإنساني وقعوا في فخ أو مأزق تفسير المواثيق الدولية لإعطاء الصفة القانونية للتدخل الإنساني، كون أن ميثاق الأمم المتحدة يؤكد على سيادة الدول ولا يدعو لاستعمال القوة في حالة انتهاك هذه الحقوق من طرف الدول، بل إن مجلس الأمن هو صاحب الاختصاص الحصري في تكييف ما يعرض عليه من قضايا وتحديد ما إذا كانت تشكل ﺗﻬديدا للسلم الدولي أو الإخلال به.

 على أنه ونظراً لضعف الحجج التي قدمها أنصار التدخل لتبرير التدخل الإنساني، لا يزال التناقض قائما بين مبدأ السيادة والتدخل، لذلك دفعت كل هذه الإشكاليات للبحث عن بدائل لمسألة حقوق الإنسان، وبالتالي بدأ الحديث عن الأمن الإنساني وعن كيفية تقديمه لحل إشكالية السيادة وعلاقتها بحقوق الإنسان. ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه هو: كيف يتلاقى التدخل الإنساني مع الأمن الإنساني؟

يكمل امن الإنسان امن الدولة في أربعة جوانب: -  

  اهتمامه هو الفرد والمجتمع لا الدولة. - تشمل التهديدات لأمن الناس، التهديدات والأوضاع التي لم تكن تصنف دائما على أنها تهديدات لأمن الدولة. - نطاق الجهات الفاعلة أوسع من مجرد الدولة وحدها. –

 تحقيق امن الإنسان لا يتضمن مجرد حماية الناس بل يتضمن أيضا تمكين الناس من أن يدافعوا عن أنفسهم. –

  يركز امن الدولة على الدولة على الدول الأخرى التي لديها مخططات عدوانية أو عدائية، أما امن الإنسان فهو يحول التركيز على العدوان إلى حماية الناس من مجموع تهديدات مختلفة      امن الإنسان وحقوق الإنسان: يمثل احترام حقوق الإنسان لب حماية امن الإنسان ويشدد إعلان فيينا لحقوق الإنسان الصادر في 1993 على عالمية وترابط حقوق الإنسان لجميع الناس، لذلك فحقوق الإنسان وامن الإنسان يعزز كل منهما الآخر، فأمن الإنسان يساعد على تحديد الحقوق المعرضة للخطر في حالة بعينها، وحقوق الإنسان تجيب على السؤال التالي: لماذا ينبغي تعزيز امن الإنسان؟

سادسا: -من الإنسان والتدخل الإنساني:

مصطلح التدخل الإنساني مركب من كلمتين التدخل والإنساني فالتدخل يعني التدخل العسكري أي استعمال القوة، والإنساني يتعلق بالإنسان وخاصة المبادئ العالمية لحقوق الإنسان التي تم في حقها خرق أو انتهاك فادح، أي استعمال القوة لوضع حد لانتهاك حقوق الإنسان. أن أية دولة ترعى ومن خلال كافة مؤسساتها الرسمية خصوصا المكلفة بإنفاذ القوانين منها حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية هي دولة التقدم والديمقراطية وسيادة القانون وتدفع بالأفراد لكي يكونوا عونا للسلطة العامة. والعكس صحيح فأية دولة تنتهك هذه الحقوق والتي ثبت من الواقع العملي أن النسبة الأكبر منها تقع على يد الأجهزة الشرطية هي دولة دكتاتورية وتدفع من خلال ممارسات موظفيها السلبية الأفراد إلى التمرد والثورة ضد الظلم والطغيان وهذا ما ثبت جليا من خلال ثورات الياسمين والربيع العربي فلم تكن الثورات البيضاء والسلمية من أجل الخبز إنما من أجل الدفاع عن الحرية والكرامة التي امتهنت كثيرا وكان رأس الحربة في هذا الامتهان الأجهزة الشرطية. فهذه الأجهزة يتوجب أن تدرك أن الأمن الفردي للمواطن هو جزء من الأمن الجماعي وهو صمام الأمان لدولة القانون والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

سابعا: -التدخل الإنساني والأمن الإنساني

 من الملاحظ الاختلاف بين التدخل الإنساني والأمن الإنساني لان الأول يكون في حالة انتهاك الفادح للحقوق البشرية بشكل تعسفي أي انه يكون كحل أخير بعد حدوث الخطر، أما الأمن الإنساني فهو اشمل يحاول عدم الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة من خلال ضمان كل احتياجات البشر لتحقيق السلم العالمي. كما أن التدخل الإنساني قد يكون غطاء ووسيلة للتدخل في شؤون الدول.

وهكذا أصبح الأمن القومي فرعاً جديداً في العلوم السياسية، حيث امتلك ثقافة وتوفرت له المادة والهدف العلمي (تحقيق الأمن) وإمكانية الخضوع لمناهج بحث علمية، بالإضافة إلى كونه حلقة وصل بين علوم عديدة، فالأمن القومي ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد تربط في دراستها بين علوم الاجتماع والاقتصاد والعلاقات الدولية ونظم الحكم وغيرها، كما تتطلب الاستفادة من المناهج المختلفة وقدراً أكبر من التكامل المنهجي.

وقد انتقل الاهتمام بظاهرة الأمن القومي من الغرب إلى دول الجنوب. ويذكر الباحثون عدة أسباب لزيادة الاهتمام بدراسة الأمن القومي في مختلف دول العالم، بما يمكن اعتباره ظاهرة، ومن أهم تلك الأسباب:

1-التوسع في مفهوم المصلحة القومية ليشمل مسألة ضمان الرفاهية بما يعنيه ذلك من تأمين لمصادر الموارد، ومن ثم برز مفهوم الأمن القومي كتعبير عن كل من الرفاهية من ناحية، ومحاولة ضمان مصادرها الخارجية من ناحية أخرى، وحماية الترتيبات الداخلية التي تدفع إلى زيادة معدل الرفاهية من ناحية ثالثة.

2-ازدياد معدل العنف وتصاعد حدة الصراعات المباشرة والتي قد تتطور إلى حروب، ومن ثم سار الاهتمام بالأمن القومي في موجات ارتبطت بتزايد الصراعات على المستويين الإقليمي والدولي.

3-ازدياد الشعور لدى دول الجنوب بنوعين من التهديدات المتصلة بأمنها القومي. فمن ناحية، تُعد الديون الخارجية المستحقة عليها تهديداً لأمنها السياسي والاقتصادي، وتحد بالضرورة من حرية اتخاذ القرارات الاستراتيجية. ومن ناحية أخرى، تخشى الدول الصغرى من احتمالات قيام الدول الكبرى بإساءة توظيف المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ليس فقط لتحقيق مصالحها، ولكن للإضرار بمصالح الدول الصغرى وأمنها القومي.

4-تزايد الإحساس بالقلق والتوتر الداخلي والذي يمكن أن يتحول إلى مظاهر عديدة من عدم الاستقرار وعدم الأمن في الدول الصغرى، فلا تزال تلك الدول تعاني من مشكلات كبرى في عملية الإنتاج وكذلك عملية التوزيع.

5-يُثار الاهتمام بظاهرة الأمن القومي عند التحول من نظام الدولة القومية إلى نظام أوسع وأكثر شمولاً كالنظام الفيدرالي، أو التجمعات الاقتصادية الدولية.

6-يُثار موضوع الأمن القومي في حالة تفكك الدول الكبرى وخاصة الفيدرالية إلى دول قومية مستقلة ذات سيادة.

تختلف الدول من حيث رؤيتها لنوع الأخطار المهددة لأمنها القومي وحدودها، وذلك باختلاف وضعية تلك الدول، فالعوامل التي تهدد الأمن القومي تختلف من دولة لأخرى، بل إن ما يحقق الأمن القومي لدولة ما قد يهدد الأمن القومي لدولة أخرى.

ثامنا: تهديدات الامن القومي

وهناك حد أدنى يمكن أن تقبله كل دولة في نطاق تحركها الخارجي، ومن ثم فإن أي تصرف من قبل الدول الأخرى يخرج عن هذا النطاق لابد وأن يواجه من جانب الدول التي تهدد أمنها مواجهة تتناسب ودرجة التهديد، بما يقودها إلى فكرة الدوائر الأمنية التي بتهديدها يتهدد الأمن القومي للدولة.

إن أخطر ما يواجه مصر في المرحلة الحالية الارهاب العابر للحدود الذي يؤثر بشكل مباشر على امن واستقرار الدولة، ولذا أخذت القوات المسلحة على عاتقها تطهير الأراضي المصرية من تلك الجماعات في الاتجاهات الاستراتيجية المختلفة، ومحاصرة والقضاء عليه وخاصة في سيناء والمنطقة الغربية.

وفيما يلي استعراض لعوامل التهديد المختلفة على كل من المستويين الداخلي والخارجي وتوجد عوامل تهديد داخلية للأمن القومي ذات طبيعة اقتصادية، حيث يعتبر التخلف الاقتصادي والوضع المنهار اقتصادياً من أهم تلك العوامل. وفى إطار هذه الحقيقة يكون المفهوم الشامل «للأمن» من وجهة نظري هو القدرة التي تتمكن بها الدولة من تأمين انطلاق مصادر قوتها الداخلية والخارجية، الاقتصادية والعسكرية، في شتى المجالات في مواجهة المصادر التي تتهددها في الداخل والخارج، في السلم وفى الحرب، مع استمرار الانطلاق المؤمن لتلك القوى في الحاضر والمستقبل تخطيطا للأهداف المخططة.

ويمكن قياس عوامل التهديد الداخلية ذات الطبيعة الاقتصادية بدرجة الفقر وانخفاض مستوى المعيشة، ووجود فوارق كبيرة في الدخل بين الطبقات وارتفاع نسبة البطالة، إضافة إلى عدم توافر المواد الأولية والطاقة اللازمة للصناعة، وضعف الإنتاج الصناعي والزراعي والحيواني وعدم كفايته لتلبية احتياجات الجماهير، وعدم وجود اكتفاء ذاتي في المواد الغذائية والاستراتيجية وضعف مستوى الخدمات والمرافق والبنية الأساسية للدولة، والاعتماد على الشركات متعددة الجنسيات وعلى البنوك الأجنبية، وارتفاع معدلات الاستهلاك مقابل انخفاض معدلات الادخار والاستثمار.

أما بالنسبة لعوامل التهديد ذات الطبيعة الاجتماعية على المستوى الداخلي، فيمكن القول إن الجبهة الداخلية تعد من الأمور الحاسمة لصد أية تدخلات خارجية، وأصبحت الجماهير العادية تؤثر بشكل مباشر، ليس فقط على السياسة الداخلية، بل على السياسة الخارجية للدولة. ولهذا فإن إمكانيات الدعاية والحرب النفسية للتأثير على هذه الجماهير ممكنة وتقود إلى نتائج وخيمة، حيث يمكن لدولة ما أن تستغل الوضع في دولة أخرى تتقاسمها طوائف متصارعة ومتعددة.  

   وقد كانت مشكلة حماية الأقليات والتدخل الخارجي لحمايتها من أهم ذرائع الاستعمار.        وبالتالي فإن تلك العوامل يمكن قياسها من خلال إثارة النعرات الطائفية والقبلية والدينية ودرجة وجود خلل في التركيب الاجتماعي وانخفاض مستوى التعليم والصحة والإدارة والانضباط أو وجود خلل بين السكان والنمو الاقتصادي.

عاشرا: -الخاتمة

يتضح مما سبق أن المفهوم التقليدي للأمن يركز على العوامل الخارجية خاصة العسكرية التي تؤثر على الأمن، ويغفل العوامل الداخلية التي يمكن استخدامها لتهديد الأمن القومي لدولة ما سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم مؤسسية أم اجتماعية. وفي الوقت ذاته فإن الداعين لتوسيع مفهوم الأمن القومي يتجاهلون ما تبقى من صراعات مسلحة عقب انتهاء الحرب الباردة، كما أنهم يقوضون الترابط المنطقي لمفهوم الأمن القومي بتوسيعه إلى ما لا نهاية.

ولذلك يأتي تطبيق مفهوم الحكم الرشيد كإطار لتحقيق الأمن الإنساني التركيز على تقوية المؤسسات الإقليمية في التعامل مع مشاكل ومصادر تهديد الأمن الإنساني خاصة أن المنظمات الإقليمية تتسم بالفاعلية في التعامل مع غالبية مشكلات الأمن الإنساني التي تتسم في معظمها بأنها ذات طبيعة متداخلة ومتشابكة ولا يمكن لدولة واحدة مواجهتها بمفردها، ومن ذلك مشكلات اللاجئين على سبيل المثال، إذ تتسم بعض المناطق بأنها ذات طبيعة خالصة من حيث عملية اللجوء.

 ومن ثم، فإن التعاون الإقليمي سيكون أكثر ملائمة في هذا الصدد، إذ إن قضايا الأمن الإنساني لا تقل أهمية عن القضايا التجارية والقضايا الاقتصادية التي تطرح بشدة كقضايا للتعاون الإقليمي بشأنها. على ضوء المفهوم الشامل للأمن، فإنه يعنى تهيئة الظروف المناسبة والمناخ المناسب للانطلاق بالاستراتيجية المخططة للتنمية الشاملة، بهدف تأمين الدولة من الداخل والخارج، بما يدفع التهديدات باختلاف أبعادها، بالقدر الذي يكفل لشعبها حياة مستقرة توفر له أقصى طاقة للنهوض والتقدم. من هنا فإن شمولية الأمن تعنى أن له أبعادا متعددة.